Loading Content...

“أمنّا الأرض”.. أجسادنا كجزء من الطبيعة

تتخذ الأجساد العاملة أشكالاً مختلفة في معرض السوري أنس البريحي (أمنا الأرض) الذي أقيم في صالة أجيال في الحمرا، بيروت. وكأن الأجساد هي التي تتحدث بلغة الطبيعة، تتلون بألوانها، وتتشكل بأشكالها المختلفة. لذلك فإن (أمنا الأرض)، هو اقتراح للعودة إلى الطبيعة، والتأمل في أسرارها التي تجعل للفن لغة أخرى. لا ينشغل الفنان هنا بصور الطبيعة كجمالية متفردة، إنما بذلك الانصهار الجميل بينها وبين الإنسان، حيث لا نرى الطبيعة بصورها المختلفة بل بألوانها التي تتلون على الوجوه.

يصر الفنان على الألوان الزاهية كمؤشر على الفرح، فرغم العمل الشاق الذي يبدو على الأجساد العاملة، فإن الأمل لا يغادرها، هناك حضور قوي للون الأصفر، كنافذة ضوء واحتفاء بالشمس التي لا تفارق وجوه العاملين وأجسامهم، وهناك حضور للأحمر أيضا، وكأن العمال يلبسون ثياباً من الطبيعة. إنهم لا يعملون داخلها، بل هي تعمل داخلهم، هذا ما يحاول الفنان قوله بطريقته الخاصة.

تصغر المساحات ويضيق المكان بالأجساد العاملة باستثناء لوحة وحيدة يفرد لها الفنان مساحة للونين الأصفر والبنفسجي، وتبدو الطبيعة حاضرة في الأزهار الصغيرة التي لا ترى. تؤكد هذه اللوحة أن للأرض طاقة كبيرة من الجمال الذي نحتاج أن ندقق فيه، لنرى تفاصيله الصغيرة.

لا يركز الفنان على الوجوه، إنه ينساها نهائيا، ويجعلنا ننتبه فقط للأجساد، وحتى الوجوه الظاهرة قليلا، فإن الملامح غائبة عنها تماما. الأجساد تقول في اللوحات: إن ملامحنا هي أيدينا وأجسادنا. إن غياب الملامح هو دلالة هامة على أن للأرض دورا في تكوين أجسادنا مهما كانت هويتنا وانتماؤنا، فإن الانتماء الأهم هو لها، لأننا بلا شك سنعود إليها. وحتى ثياب العمال في اللوحات تمتد لتتصل بالأرض وكأن الأرض تكون كياننا وروحنا. هذه نظرة إلى الأرض على أنها وحدة واحدة مع البشر ومع الإنسان مهما كان انتماؤه وملامحه.

في بعض اللوحات، يميل الفنان إلى التجريد، ونرى ذلك عندما تحضر الألوان فقط، وتنصهر الأجساد بطريقة كلية مع الطبيعة، فلا نميزها عن بعضها وكأن تلك حالة الموت أو الحب الشغوف بها، ولكن الألوان هي التي تسمح لنا بالدخول إلى اللوحة بسهولة والتعرف على أجزائها التي تشكل حوارا بين بعضها البعض. ففي إحدى اللوحات المائية نرى كم تقترب الأجساد من الذوبان في الطبيعة، وكيف تشكل الثياب ألواناً حين يبدأ الشكل في الذوبان والتوسع والذهاب إلى أقصى الاحتمالات: أن تصبح الخلفية والشكل كيانا واحدا.

تحضر النساء بقوة في اللوحات، وهذا مؤشر على عمل النساء في الريف السوري وخاصة في السويداء التي زارها الفنان أكثر من مرة قبل أن ينجز هذا العمل. إنه العمل اليدوي الذي لا ينسى في حياة بلاد مرت فيها الحروب، فبقيت الزراعة دلالة على تاريخها وحضارتها.

يرسم البريحي امرأة في إحدى اللوحات تحمل البرتقال وتنظر إلى الأفق الواضح أمامها، ينسدل ثوبها الملون بلون البرتقال وكأنها تقدم للعالم هدية، بينما تنشغل النساء الأخريات بجمع البرتقال على الأرض. تبدو التفاصيل صغيرة وبسيطة في لوحات البريحي، لكن دلالاتها عميقة في عالم يغرق بالتكنولوجيا، وحدود تأكلها الحروب والصراعات.

في معرض (أمنا الأرض)، تبدو الصورة جميلة عن العالم من حولنا. اللوحة زاهية والألوان تضج بالأمل، فربما تكون هذه دعوة لتأمل الطبيعة والأماكن الهامشية التي تضج بالحياة. تلك الأماكن التي ينشغل فيها الإنسان بكل تلقائية بكل ما حوله من جمال وحياة. إنها دعوة للأمل والذهاب بعيدا لخلق الصورة الأجمل عن الحياة. هذه الصورة التي غيبتها الحرب وقتلتها التكنولوجيا. فالحب هو الثيمة الحاضرة في الأعمال، في ذلك الاندماج الكلي بين الألوان والأجسام والأيدي. يقول البريحي في لغة اللون لنا: الطبيعة هي انتماؤنا، فلماذا لا ننشغل كليا في مساعدة أمنا الأرض كي يعود الأمل مرة أخرى؟

 الأجساد تقول في اللوحات: ملامحنا هي أيدينا وأجسادنا

 

كُتبت بواسطة تغريد عبد العال 25 مارس 2020 المصدر

    Leave Your Comment Here