Loading Content...

“منال”: تثلث الصبغية من منظار تشكيلي

الإنسان المصاب بمتلازمة تثلث الصبغية (Down syndrome) من منا لم يره، لكن العلاقة معه عند غير الأهل أو العاملين في مجال التربية المختصة يبقى هامشياً لا يتعدى عنوان التعاطف. الإشكالية الكبرى تقع في سبيل دمجهم بالمجتمع مع سائر الذين يعانون من الاحتياجات الخاصة، وجعلهم فاعلين يستطيعون الاعتماد على أنفسهم بعد أن توفر لهم الدولة متطلباتهم واحتياجاتهم وحقوقهم. كل هذا حديث بالعموم، في أمر بات معروفا، لكن أن يُفرَدَ معرض تشكيلي لتسليط الضوء على شخصية تعاني من متلازمة تثلث الصبغية فهو ما يستحق الوقوف عنده.

يبدو أن تناول تلك الشخصيات في اللوحات الفنية يعود بجذوره إلى لوحة The Adoration of the Christ Child للفنان الهولندي جان خوست اوف كالكار، التي رسمها عام 1515، غير أنه على ندرة تسليط الضوء عليهم اختار الفنان السوري الشاب أنس البريحي، اسم “منال” عنواناً لمعرضه. ومنال هي جارته الشابة التي تعاني من متلازمة داون. استدعى البريحي، مروحة لونية تعبيرية تظهر منال في وضعيات متعددة، سعياً لتظهير البعد الإنساني في تلك الشخصية، وعملا على سحب الانتباه لقضاياها اكثر.

في الواقع، تعددت نظرة المجتمع لذوي الاحتياجات الخاصة، فمنهم من يصنفهم بالمبروكين، أو الملائكة، أو ربما في بعض الاحيان بالملعونين كما لدى بعض الحضارات القديمة، إلا أن المطلوب أكثر فأكثر هو إظهارهم كبشر لهم حقوق وعليهم واجبات. ومع جدية معرض أنس البريحي وأسبقيته في تسليط الضوء على هذه الحالات، إلا أنه لم يتعد سمة تسليط الضوء عليهم، من دون معالجة فعلية لاحتياجاتهم العاطفية والمادية والجنسية وغير ذلك. ففي التركيز على الوضعيات المتعددة لـ”منال” لم نشاهدها سوى جالسة او مستلقية او واقفة، من دون فكرة محددة تدل على ما قد يعتمل في ذاتها من أحاسيس. وهناك تركيز على بعد “الأيقنة” لـ”منال”، وإظهارها بهالة من الطهرانية الزائدة، ما يطرح السؤال ما إذا كان هذا التناول، يخدم قضية “منال” وأشباهها، أم يعزز النظرة السائدة حولها؟ لكن هذه الفكرة قد يقابلها بعض الشيء كون هذه الاعمال هي أعمال فنية تشكيلية، تركز على ما يرغب به الفنان، وتسعى ألا تحمّل المعرض فوق طاقته وهو تسليط الضوء على تلك الحالة الانسانية.

طرح ثيودور أدورنو، قضية جماليات القبح التي غزت الفن التشكيلي، وبات لها مركزها في الفن الحديث والمعاصر. وهنا يطرح السؤال، هل أعمال الفنان البريحي تقع ضمن هذه الخانة؟ وهنا يتوجب الوقوف عند المفردة التي يعالجها الفنان البريحي، هل أن “منال” وما تمثل يصدق عليها عنوان الجمال وفق مقاييس عصرنا؟ بين الرائع والمريع خط رفيع عنوانه الدهشة، ومهما كانت الإجابة فالجمال والقبح نسبيان. ويبدو ان منال لها من الجمال ما تعكسه العاطفة وربما الشفقة لا حب التملك أو التلذذ، ما يبعد فرضية القبح. لكن هذه نقطة لا بد من الاشارة لها، فجمال “منال” غير اعتيادي، وقد يمتزج فيه الرائع بالمريع عند باب الدهشة، ولعل الدهشة تتأتى في أعمال البريحي من أصل الفكرة أكثر منه المعالجة والألوان والوضعيات، وفي فرادة الموضوع وأسبقيته في مجاله.

يعالج الفنان البريحي لوحاته وفق آليه تعبيرية، بألوان وضاءة ومسحة من البعد الاجتماعي، وفي هذا عودة لتحميل الفن رسالة نقدية التمع فيها الفنان في معرضه. ففي ظل الازمات المعقدة التي يعيشها عالمنا باتت قضية ذوي الاحتياجات الخاصة أكثر من ثانوية، مع بروز فنانين تعبيريين في القرن العشرين، يتناولون المأساة التي يعاني منها عمال المناجم والمرضى والذين يعانون من العنف والمتسولين وغيرهم. ها هو أنس البريحي يعالج قضية الاحتياجات الخاصة، ويسلط الضوء على شخصية اراد اظهارها بهية جميلة متفتحة.

المصدر – جريدة المدن الإلكترونية – رابط المقالة

    Leave Your Comment Here