Loading Content...

الفنان السوري أنس البريحي لدى “غاليري آرت سبايس”: منال خطوطٌ تتشكل من ضوء

لدى قراءتنا على بطاقة الدعوة إلى معرض أنس البريحي، المقام لدى “غاليري آرت سبايس”، الحمرا، كلمة “منال”، راودتنا بعض الشكوك والأفكار، ولم يخطر في بالنا فوراً أن الكلمة قد تشير إلى إسم علم، وذلك قبل مشاهدة المعرض، في طبيعة الحال. لدى تنقلنا بين الأعمال المعروضة لم نكن في حاجة إلى جهد شديد كي ندرك أن الشخصية المرسومة على اللوحات هي نفسها، وندرك، أيضاً، أنها شخصية مختلفة، وذلك قبل قراءة النشرة الموزّعة عند مدخل الغاليري، التي توضح لنا حيثيات الشخصية الأنثوية المرسومة، وتمايزها عن الكائنات الإنسانية الأخرى، المحيطة بها وبنا.

الفتاة منال مصابة، إذاً، بـ”متلازمة داون”، التي تُعرف أيضا بإسم تناذر داون أو “التثالث الصبغي”، والتي تتسم بوجود تغييرات كبيرة أو صغيرة في بنية الجسم، مترافقة مع ضعف في القدرات الذهنية، وبمظاهر وجهيّة مميّزة. اختيار أنس البريحي لهذه التيمة موضوعاً لمعرضه ليس عبثياً، إذ إن البريحي، السوري المولد، درس الرسم في معهد الفنون الجميلة بمدينة دمشق، ومن ثم إنتقل إلى لبنان بعد بداية الحرب في وطنه لينهي دراسته العليا في الدعم النفسي والإجتماعي والحوار من طريق الفن، حاصلاً على شهادة ماجستير من الجامعة اللبنانية. هكذا، يكون هذا المعرض من المعارض القليلة التي تحمل معنى مزدوجاً، إذ يجتمع فيه الرسم، القائم على معرفة تقنية لها خصوصياتها، مع جوانب أخرى من المعرفة ذات علاقة بالنواحي النفسية والذهنية المميزة لأشخاص من ذوي الإحتياجات الخاصة.
حال منال ليست بغريبة عنا، إذ صادف كل منا، ولو بدرجات متفاوتة، أفراداً مصابين بهذه المتلازمة – المرض، عن قرب أو عن بعد، ولسنا في حاجة إلى جهد كبير من أجل اكتشاف اختلافهم عن الناس العاديين. وكي نكون صادقين، علماً أن هذا الحكم قد يكون شخصياً، نتجنب، عادة، الخوض في علاقة مباشرة معهم، لكوننا نجهل رد فعلهم، أو نخشاها. فخوض تجربة مباشرة مع أناس من ذوي الإحتياجات الخاصة، في شكل عام، ليس أمراً سهلاً، إذ تتطلّب هذه الخطوة نهجاً خاصاً في التعامل معهم، وهي مهمة قد تقتصر على الإختصاصيين. كان البريحي رأى الفتاة من نافذة منزله وهي تلعب مع دميتها، وحيدة ومهمّشة في محيطها، كما يقول، وكما هو واقع الحال، وحين شاء رسمها لم يجد صعوبة في تصوير ملامح وجهها الصادقة وتعابيرها البريئة. “منال هي تناغم مختلف. خطوط تتشكل من ضوء. وبساطة تحاكي طفولتي. هي المرآة التي تعكس حقيقتي”، يضيف الفنان.
الإنعكاس التشكيلي للفتاة منال جاء في أعمال البريحي قريباً من الواقع، وبعيداً منه في الوقت نفسه. قياساً على مستلزمات الرسم التشخيصي، يمكن التعرّف إلى منال من خلال الرسم، لكن الفتاة تتشابه مع أقران، أو قرينات لها مصابين بالمرض نفسه، علماً أن التجوّل في المعرض بين اللوحات المعروضة يبيّن لنا أن منال ليست نفسها دائماً. إذ، وبالرغم من قدراتها الذهنية المحدودة، تبدو في بعض الأحيان، ومن خلال جلستها ونظراتها، قادرة على التفكير في أحوال الدنيا وأهوالها، وكأن صمتها المدوّي يضمر ذلك التناغم المختلف الذي تحدّث عنه الفنان . إلى ذلك، لا بد من الإشارة إلى أن الفنان اعتمد مداخل في بناء اللوحة وفي تحديد عناصرها، ولجأ إلى خيارات لونية تشي بمعرفه وافية في هذا المجال. أعمال البريحي ركّزت، إضافة إلى ما تمّ ذكره، على المفعول النفسي، في لوحات تبدو الفتاة ضمنها هادئة، كأنها مستسلمة لقدرها الذي جعل منها إنساناً مختلفاً، لكن هذا الإختلاف لا يلغي رغبتها في الحياة والفرح، في هذا العالم القاسي الذي لا يرحم أحداً.

المصدر جريدة النهار – رابط المقالة

    Leave Your Comment Here